الحمد لله ربِّ العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمّدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
فهذه حاشية مختصرة على هذه الرسالة المهمة النافعة، وأصلها دروس قديمة في مجالس متعددة فُرّغت وتمّ مراجعتها لنشرها والانتفاع بها.
وهذه الرسالة وإنْ جاءت في ورقة لكنها عظيمة الأهمية لعِظَم موضوعها وهو الحفاظ على الإسلام والإيمان وبيان ما ينقُض الدِّين والتنبيه على خطورة ذلك.
ولا يزال مِن أولويات أهل السنة والجماعة في سائر أوقاتهم وشئونهم العناية بالتوحيد وتعليمه والتحذير مما يهدمه، والعناية بالإيمان وشُعبه وما يُقوّيه، والتحذير مما يُنقِصه ويَنقُضه ويُحبطه.
وذلك لأنَّ التوحيد أهم العلوم وأعلاها وأكملها وأولاها، وأولها وآخرها، وهو أساس الأقوال والأعمال.
وقد قال النبي ﷺ لمعاذ -لمَّا بعثه داعيًا ومعلّمًا إلى اليمن-: «فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَى أَنْ يُوَحِّدُوا اللَّهَ تَعَالَى». متفق عليه.
وتأتي هذه الحاشية ضمن سلسلة حواشي على المتون المهمة التي يسّر الله قراءتها، نسأل الله تعالى أن يَنفع بها كاتبها وقارئها وناشرها. ونسأل الله أن يرزقنا الإخلاصَ في القول والعمل، والصدقَ في القصد والأمَل، وأن يتقبلَ منَّا بفضله.
والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبيه محمد وعلى آله وصحبه.
كتبه: أبو محمد عبدالله بن أحمد بن لَـمْح الخولانـي
عنْون الشيخ رحمه الله لهذه الرسالة بـ (نواقض الإسلام) فسنعلِّق على ألفاظ العنوان وبعض ما يتعلق بها.
النواقض
جمع ناقض، والناقض هو المُفسِد.
والنقض: ضد الإبرام. قال تعالى: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُون} [النحل: 92].
نقَضَ الحبل: حلَّ ما فيه من العُقَد المُبْرمة. ونقَضَ البناء: هدَمه وأفسدَه.
فمعناه: هدْم ما قد بُني، وإفسادُ ما قد أُصلح وأُبرم.
والمقصود بالناقض هنا: ما يَهدمُ الإسلامَ والإيمان فيكون المكلَّف خارجًا به عن الإسلام والعياذ بالله تعالى، ويَصيرُ مرتدًّا.
وليس المقصود مَن يفعل النواقض وهو كافر كفرًا أصليًّا، هذا على أصل الكفر ويزداد بها كفرًا إلى كفره ويُضاعف عليه العذاب بجُرمه كما قال تعالى: { الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ * أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ} [هود:20]. وقال سبحانه: {وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا} [فاطر: 39].
لكنَّ المقصود: مَن أكرمهُ الله بالإسلام وأتمَّ عليه النعمةَ بأنْ هداه لهُ، أو جعَله مِن أهله مِن أول يوم، ثمَّ يعقِد بقلبه أو يقول بلسانه أو يفعَل بجوارحه شيئًا ينقضُ به إسلامَه وإيمانَه.
وهذه النواقض يُسمِّيها الفقهاء: أسباب الردة، وترى الكلام عليها في مباحث (باب الردة) وهو باب مستقل في ”كتب الفقه“ ويذكرون أنواعًا كثيرة من أسباب الردَّة في فصول متعدِّدة.
أمَّا أصحاب كتب العقيدة: فإنهم يتكلَّمون عنها في نواقض الإيمان والتوحيد من ”كتب الإيمان والتوحيد“.
والنواقض أنواع:
1- منها القَلْبي: أيْ مِن عمَل القلب، وعَقْده، لا يفتقرُ كفره إلى قَول أو فعْل بل بمجرّد عمل القلب وعقْد القلب بناقض للإسلام يكونُ سببًا في الكفر والردَّة.
كبُغض الرَّسول ﷺ، أو التكذيب في الباطن بما جاءَ به، ولو صدَّقه في الظاهِر.
2- ومنها ما هُو قوليٌّ: أي بكلام يقوله بلسانه مع عقْد قلبه، كسَبِّ الله -تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا- وسبِّ الدِّين، وسَبِّ الملائكة أو الرُّسل، أو الاستغاثة بمَقبور فيما لا يقدِرُ عليه إلا الله تعالى.
3- ومنْهَا العمَليّ: أي عمَل الجوارح: كالسِّحْر عَلى ما يأتي، والذَّبح لِغَير الله تعَالى تقرُّبًا، ومُظاهَرة المُشركين، وكلّ ذلك سيأتي الكلام عليه بإذنِ الله مفصَّلًا.
وعليه فإنَّ موضوع هذا الكتاب: الأمور الخطيرة التي تنقُل من الإسلام إلى الكفر، ومِنَ التوحيد إلى الشِّرك، ومن الإيمان إلى الرِدَّة.
واعلم أنَّ الردَّة خاصَّة بالرجوع عن الإسلام، ولا يُقال لمن رجَع مِن أي دين إلى الإسلام أو إلى غيره من الأديان: إنه ارتدَّ كما يزعُمه زاعمون!
بل الردَّة لا تكون إلا مِن الإسلام إلى الكُفر، إلى أي ملّة من الأديان الباطلة التي يتديَّن بها أهلُ الأرض غير الإسلام.
أهمية دراسة نواقض الإسلام
إنَّ دراسةَ أسباب الردة، ونواقض الإسلام من الأهمية بمكان. ونذكرُ هنا أمرين اثنين من أهم دوافع ذلك:
الأول: أنَّ الحكم بكَون القَول أو العَمَل ناقضًا للإسلام متوقِّف على دليل مقبول حجَّة، وعلى بُرهان واضح، لأنَّ الحكم على المسْلم بالكفر عظيم خطرُه لابدّ أن يكون فيه عند القائل مِن الله تعالى برهان.
وفي الصحيحين عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا كَفَّرَ الرَّجُلُ أَخَاهُ فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا»([1]).
وفي البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: «إِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِأَخِيهِ يَا كَافِرُ، فَقَدْ بَاءَ بِهِ أَحَدُهُمَا»([2]).
وعلى هذا فدراسة النواقض تعدُّ دِراسة دينية عِلْمية لأدلَّة شَرعية مِن آيات وأحاديث، وذلك مِن العلم الشرعي، ومِن أعظم الفقه في الدِّين المَمْدوح صاحبه، الموعود على طلبه بالجنة.
الثانـي: أنه سلوك لسبيل النجاة من المهالك، وفرقان بين: الحق والباطل، وفرقان بين أهل الحق والصَّواب وبين الغُلاةِ أهلِ التكفير.
ومَعرفة الشرّ للحذر منه مطلوب شرعًا. وقد قيل:
|
عرفتُ الشرَّ لا للشرِّ لكن لتوَقِّيه |
|
ومَن لا يَعرف الشرَّ من الخير يقع فيه |
وفي الصحيح([3]) عن حُذَيْفَةَ بْن الْيَمَانِ رضي الله عنه قال: كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ الْخَيْرِ، وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ، فَجَاءَنَا اللهُ بِهَذَا الْخَيْرِ، فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ شَرٌّ؟ قَالَ: «نَعَمْ».
وكان النبيُّ ﷺ يبايع على ترك المحرَّمات كما يأخذ البيعةَ على فعل الواجبات.
كما قال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الممتحنة: 12].
وعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رضي الله عنه قَالَ: «أخَذَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ كَمَا أَخَذَ عَلَى النِّسَاءِ: «أَنْ لَا نُشْرِكَ بِاللهِ شَيْئًا، وَلَا نَسْرِقَ، وَلَا نَزْنِيَ، وَلَا نَقْتُلَ أَوْلَادَنَا، وَلَا يَعْضَه بَعْضُنَا بَعْضًا، فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ، وَمَنْ أَتَى مِنْكُمْ حَدًّا، فَأُقِيمَ عَلَيْهِ، فَهُوَ كَفَّارَتُهُ، وَمَنْ سَتَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ، فَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ، إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ، وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَه»([4]).
وقال الله تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36].
فأمرَ ونَهَى، أمرَ بعبادته وحده، ونهى عن نواقض العبادة مِن سائر الأنواع الداخلة تحت عموم الطاغوت، والنهي مفهوم من قوله:{وَاجْتَنِبُوا} بل هو أبلغ من النهي.
وممَّا يبيّن هذا المعنى ما في الصحيح([5]) عن أبي مالك سَعد بن طارق بن أشيم الأشجعي عن أبيه رضي الله عنه أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مَنْ دُونِ اللهِ، حَرُمَ مَالُهُ، وَدَمُهُ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللهِ». فلم يكن حُرمة المال والدَّم بمجرَّد قول (لا إله إلا الله) حتى يكفُرَ بما يُعبد مِن دون الله، وهو: (اجتناب الطاغوت).
وفي حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه مرفوعًا([6]): «فعليكُمْ بسُنَّتي وسُنة الخلفاء الراشدين عَضُّوا عليها بالنواجذ وإياكم ومُحدَثات الأمور».
قال شيخ الإسلام رحمه الله: «كان الصحابةُ رضي الله عنهم أعظم إيمانًا وجهادًا ممَّن بعدهم، لكمال معرفتهم بالخير والشر، وكمال محبتهم للخير وبُغضهم للشرّ، لما عَلِموه من حُسن حال الإسلام والإيمان والعمل الصالح، وقُبح حال الكفر والمعاصي، ولهذا يوجد؛ مَن ذاق الفقر والمرض والخوف أحرَص على الغِنى والصِّحة والأمن ممن لم يذُقْ ذلك.
ولهذا يُقال: والضد يظهرُ حسنَه الضدُّ. ويقال: وبضدِّها تتبيَّن الأشياء.
فالقلب السليم المحمُود: هو الذي يريد الخير لا الشرّ، وكمال ذلك بأنْ يعرفَ الخير والشرَّ، فأما مَن لا يعرف الشرَّ فذاك نقصٌ فيه لا يُمدح به»([7]).
ولهذه النواقض أثرٌ خطير على مُقترفِها، ولها أحكام كثيرة: دنيوية وأخروية.
فمِن أحكامها الدُّنيوية:
- الحكم بكفره، وردَّته عن الإسلام.
- تُفسخ منه زوجته، وتُرفع ولايته، لقوله تعالى: {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا} [النساء:141].
- لا يَرث مورِّثَه المسلم لما في الصحيحين عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ، قَالَ: «لَا يَرِثُ المُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلَا يَرِثُ الْكَافِرُ المُسْلِمَ»([8]).
- ولا يورَث، للحديث السَّابق.
- ولا يدخُل المسجد الحرام بمكةَ، لقوله تعالى: {ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (27) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 27، 28].
- يجبُ قتله حدًّا، لقوله ﷺ: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ»([9]).
- وإن كانوا طائفةً وامتنعوا: فيُقاتَلُون لإجماع الصَّحابةُ رضي الله عنهم على قتال أهل الرِّدة.
- لا يُغسَّل ولا يكفَّن ولا يُدفن في مقابر المسلمين. وأدلته معروفة في كتاب الجنائز.
وأما الأُخروية فتتلخَّص في أمرين:
- أنه هدْم لجميع أعماله، كما قال تعالى: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا} [الفرقان:23] ولقوله: {وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 217]
- أنه محكومٌ عليه بالخلود في النار، وأنه مِن أهلها، قال تعالى: {إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} [المائدة:72]. وقال: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [المائدة:5].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النبيَّ ﷺ أَمَرَ بِلَالًا أن يُنادي فِي النَّاسِ: «أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ، وَأَنَّ اللهَ يُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ»([10]).
وفيهما([11]) عن ابن مسعود رضي الله عنه رفعَه: «أَلَا لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ».
وإذا عرفْتَ هذه الآثار تبيَّن لكَ خطَر هذا الأمر، وأهميَّة هذا الدرس.
وهذا إمام الحُنفاء إبراهيم عليه الصلاة والسلام قال: {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ} [إبراهيم:35]. فغيره أولى.
قال ابنُ كثير رحمه الله: «ينبغي لكلِّ داع أنْ يدعوَ به لنفسِه ولوالديه ولذرِّيته».
وقد بوَّب الشيخُ المؤلِّف رحمه الله في ”كتاب التوحيد“: (باب الخوف من الشِّرك) وهو بابٌ مهمٌّ جدا، فلا يخافُ مِن الشرك وأسباب الردَّة إلا مؤمن حريص على إيمانه محافظ على إسلامه، يريد النجاة.
ولا يأمن من نواقض الإيمان: إلا مَن لا يهمُّه شأنَ دينِه وإسلامه.
ومِن هُنا نعلمُ أنَّ مِن أسباب التزهيد في دراسة التوحيد ونواقض الإسلام:
- الجهل بما بينّاه سابقًا من أهمية دراسة التوحيد ونواقضه.
- والجهل بأنواع الردة، وآثارها.
- ضعف الإيمان، وضعف الخوف من الردَّة والشِّرك.
وكذا قول القائل: ما فائدة هذا؟ الناس كلُّهم مُسلمون بحمد الله!، وهكذا؛ وصْمُ مَن يدرِّس ويهتم بالتوحيد: بالتكفير -والعياذ بالله- هكذا يَرجمون، وآخرون يتقحَّمون ويتهجَّمون بهذا الكلام على المحافظين على دينهم الخائفين على أنفسهم، القائمين بما أوجبَ الله عليهم مِن بيان التوحيد، وضدِّهِ، ونَواقضِه.
وهذا -مع أنه دليل على: جهْل صاحبه وسفَهِ عَقلِه - قُبيحٌ به، ومُعْلمٌ بِرِقَّةِ دِينِه.
أما الأول: فإنَّ هذا الكلام مناقض لأكثر ما في القرآن من تقرير التوحيد بأنواعه.
وأما الثانـي: فلأنه لا عنايتةَ له بما ينفعُه وبما به فلاحُه ونجاحه وبما ينجّيه من الهلاك والخسارة الفادحة.
وأمَّا الثالث: فقد ثبتَ عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: (إِنَّ المُؤْمِنَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَأَنَّهُ فِي أَصْلِ جَبَلٍ يَخَافُ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ، وَإِنَّ الْفَاجِرَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَذُبَابٍ وَقَعَ عَلَى أَنْفِهِ فَقَالَ لَهُ: هَكَذَا ، فَطَارَ)([12]).
والناس أقسام:
- غال في التفريط: وهؤلاء الذين يقولون: ما يَضرّ مع الإيمان معصية!
- غال في الإفراط، يكفِّرون المسلمَ بالمعاصي.
- والوسط هم أهل السنة:
1- يأمُرون بإقامة الدِّين كما أمر الله: {أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيه} [الشورى: 13] : {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا} [هود: 112]
2- ويحقِّقون التوحيد ويأمرون بتحقيقه وتجريده لربِّ العبيد. كما قال تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا} [النور: 55].
3- ويأمرون بالمحافظة عليه بفعل المأمورات، وترك المنهيات كما قال تعالى: {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَر} [الحج: 41]
{وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ الله} [التوبة: 71]
{ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ } [البقرة: 168]
4- ولا يَنطقون إلا بدليل وبُرهان، فإذا عرفُوا الدليل قالوا بمقتضاه، ويَسكُتون عما سكَت عنه. لأنَّ اللهَ تعالى يقول: {وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (168) إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ } [البقرة: 168، 169].
فما نصَّ الدليلُ على أنَّه كفْر وردَّة: قالوا به. وإلا توقَّفُوا لقوله ﷺ: «إِذَا كَفَّرَ الرَّجُلُ أَخَاهُ فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا» متفق عليه، ولقوله تعالى: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا } [الإسراء: 36].
ويفرِّقون بين الحُكْم مِن حيثُ هو، وبينَ الحُكم به على المعيَّن.
لأنَّ إنزالَ الحكم العام على الفردِ المعيَّن يحتاجُ إلى اجتماع شروطٍ وانتفاء موانع. وهذا متفقٌ عليه بين أهل العلم، ومِن أمثلته: أنَّ الشَّكّ في قدرة الله تعالى: كفْرٌ.
وفي الصَّحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه رفعه: «كَانَ رَجُلٌ يُسْرِفُ عَلَى نَفْسِهِ فَلَمَّا حَضَرَهُ المَوْتُ قَالَ لِبَنِيهِ: إِذَا أَنَا مُتُّ فَأَحْرِقُونِي، ثُمَّ اطْحَنُونِي، ثُمَّ ذَرُّونِي فِي الرِّيحِ، فَوَاللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ عَلَيَّ رَبِّي لَيُعَذِّبَنِّي عَذَابًا مَا عَذَّبَهُ أَحَدًا، فَلَمَّا مَاتَ فُعِلَ بِهِ ذَلِكَ، فَأَمَرَ الله الأَرْضَ فَقَالَ: اجْمَعِي مَا فِيكِ مِنْهُ، فَفَعَلَتْ، فَإِذَا هُوَ قَائِمٌ، فَقَالَ: مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟ قَالَ: يَا رَبِّ خَشْيَتُكَ- وفي لفظ: مخافتك- فَغَفَرَ لَهُ».
قال شيخُ الإسلام رحمه الله: «فهذا رجلٌ شكَّ في قُدرة الله وفي إعادته إذا ذُرّي، بل اعتقدَ أنه لا يُعاد، وهذا كفْر باتفاق المسلمين، لكن كان جَاهلًا لا يعلمُ ذلك وكان مؤمنًا يخاف اللهَ أنْ يُعاقبَه، فغفرَ له بذلك»([13]).
وقد انتهينا بهذا من الكلام على قول المؤلف رحمه الله: (نواقض) من العنوان. وسنعلِّق على اللفظ الآخر.
أصله: الانقياد والخضُوع والتذلُّل. أسلمَ واستَسْلم، وخضَعَ وانْقَاد، كما قال: {فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ} [الصافات:103]: أي استسْلما لأمر الله تعالى.
وكل الخلائق خاضعةٌ مستسْلِمة لأوامر الله تعالى الكونية قال تعالى: {وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ} [آل عمران:83].
قال ابنُ كثير رحمه الله: «أي: استسْلَم له مَن فيهما طوعًا وكرهًا، كما قال تعالى: { وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ } [الرعد: 15]
فالمؤمن مستسْلِمٌ بقلبه وقالَبه لله، والكافر مستسْلِم لله كرها، فإنه تحت التسخير والقهر والسُّلطان العظيم، الذي لا يخالَف ولا يُمانع».
وقال السعدي رحمه الله: «أي: الخلق كلهم منقادُون بتسخِيره مستسْلِمون له طوعًا واختيارًا، وهم المؤمنون المسلمون المنْقَادون لعبادةِ ربِّهم، وكَرْهًا وهم سائر الخلق، حتى الكافرون مستسلمون لقضائه وقدَرهِ لا خروج لهم عنه، ولا امتناع لهم منه، وإليه مَرجعُ الخلائق كلّها، فيحكمُ بينهم ويجازيهم بحُكمِه الدائر بين الفضل والعدْل».
والإسلام الشرعي:
أ- عامّ: وهو ما جاءَ به جميع الأنبياء والرسل من التوحيد وإفراد الله جل وعلا بالعبادة دون مَن سواه، وطاعته، وطاعة رسله، قال تعالى -عن نوح عليه السلام-: {وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ}، وقال -عن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام-: {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ}، وقال -عن الحواريّين-:
{ فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (52) } [آل عمران: 52] .
ب- وخاصّ: بعدَ مبْعث النبيّ الخاتم محمَّد ﷺ، فدينه الإسلام الذي لا يُقبل من أحد سواه، كما قال في جواب سؤال جبريل؛ ما الإسلام؟ فقال: «أنْ تشهدَ أن لا إله إلا الله وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلا»([14])، وقال تعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران:85].
والمقصُود من هذا الدرس أمران أساسيان:
الأمر الأول: أهميةُ المحافظة على الدِّين والإسلام، والثبات عليه، والدعوة إليه.
الأمر الثانـي: معرفة نواقضه، والحذَر منها، والتحذير منها.
أما الأمر الأول:
فمادته: أدلةُ فضْل الإسلام، وأدلّة الأمر بالثبات على الدِّين، وأدلة تحذير المؤمن من التهاون فيه، أو تركه، وأدلة عاقبة الكفر والشرك والنفاق. وكم في الكتاب والسنة في ذلك من الأدلة.
الدِّين عند الله تعالى: الإسلام، وهو:
- طريق الهداية: فلا طريق يَهدي الخليقة سواه، كما قال تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (19) فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ } [آل عمران:20].
- وهو فِطْرت الله: كما قال: { فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ } [الروم:30].
- وهو الدِّين الذي ارتضاه للبريَّة واختاره للبشرية، قال تعالى: { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا } [المائدة:3].
وفي صحيح مسلم (153) عَنْ أَبِي هُرَيرةَ رضي الله عنه عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ، وَلَا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ، إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ».
- وهو دين السَّعادة والطمأنينة: { مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } [النحل:97].
- وهو دينٌ كامل البيان، واضح المَعالم، قال تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} [النحل:89].
- وهو دينُ السَّماحة واليُسر، فلا حرجَ فيه ولا آصار ولا أغلال، قال تعالى: { وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ } [الحج:78].
- وهو الدِّين الموصّل إلى رضَا الله، وجنته، كما قال: { إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ } [الزُّمَر:7]، وقال: { وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } [الأعراف:43]، وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النبي ﷺ قال: «إِنَّهُ لاَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَة».
- وهو سبب البركة والنصر، والتمكين، والعزة، وقد سبق فيه آيات كقوله: { وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور:55].
- وهو دين العلم والنور والبرهان، {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا} [النساء:174]، {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه:114].
- وهو الدِّين الباقي المحفوظ الدائم والشامل العام، كما قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحِجر:9]. وقال: { مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ }
- وهو الدِّين الذي لا تناقض فيه ولا تعارض، كما قال تعالى: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء:82].
- وهو دين المصالح فلا صلاح للنَّاس ولا سعادة ولا حياة كريمة إلا به، قال تعالى: {وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا} أي بعد إصلاحها بالإسلام، والشريعة المنزَّلة.
- وهو الدِّين الذي يدفع المفاسدَ عن الناس، والمَضارّ، والظُّلم والبَغْي، قال تعالى: { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } [النحل:90]
وفضائل الإسلام، ومميزاته، وخصائصُه، كثيرة جدًّا، والمؤلِّف رحمه الله قد أفردَ فيها جزءًا نافعًا، قد قرأناه على الطلاب -بحمد الله- وينبغي دوام مذاكرته ومدارسته.
وما أكثر الأدلة الدالة على وجوب الثبات على هذا الدِّين، والاستقامة عليه، والرِّضا والقناعة به، وعدم التفلُّت والافتئات عليه، قال تعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران:85].
وقال سبحانه: {وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [البقرة:132]. وقال سبحانه
{ شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ }
[الشورى:13].
وقال سبحانه: { فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا } [هود:112]، وقال سبحانه: { قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ } [فصلت:6].
وقال ﷺ: «يا شدَّاد بن أوسٍ! إذا رأيت الناس قد اكْتنَزُوا الذهبَ والفضَّةَ، فأكثر هؤلاء الكلمات: اللهمَّ إني أسألُك الثباتَ في الأمْرِ، والعزيمةَ على الرُّشد، وأسألُك مُوجباتِ رَحْمتك، وعزائِمَ مغْفَرتِك، وأسألُك شُكْرَ نعْمتِك، وحُسن عِبادَتك، وأسألُك قلبًا سليمًا، ولسَانًا صادقًا، وأسألُك مِن خَير ما تعلَمُ، وأعوذُ بك مِن شرِّ ما تعلَم، وأستغفرُك لما تعلمُ؛ إنَّك أنتَ علامُ الغيوب»([15]).
- وعن العرباض بن سارية رضي الله عنه أنّ النبيَّ ﷺ قال: «فعليكم بسُنَّتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عَضُّوا عَليها بالنواجذ»([16]).
وفي الصحيحين عن أبي سعيد رضي الله عنه -في حديث الحوض-: «فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا عَمِلُوا بَعْدَكَ، فَأَقُولُ: «سُحْقًا سُحْقًا لِمَنْ بَدَّلَ بَعْدِي».
وهذه الأدلة أيضًا تبيِّن -مِن جهة أخرى- فضلَ الإسلام وعظمته.
الخوف من الموت على غير الإسلام
ويظهر ذلك من النظر في النقاط التالية:
* الهجرة من أجله:
وفيه الأحاديث الشهيرة الصحيحة، في هجرة الصَّحَابة إلى الحبشة، ثم الهجرة إلى المدينة.
* البُعد عن الفتن والحَذَر منها:
في صحيح مسلم (118) من طريق الْعَلَاء عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ المُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا».
قال البخاري رحمه الله: (باب من الدِّين الفرار من الفتن)، ثم ساق حديث أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ المُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الجِبَالِ وَمَوَاقِعَ القَطْرِ، يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الفِتَنِ»([17]).
وفي البخاري (3601) عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «سَتَكُونُ فِتَنٌ القَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ القَائِمِ، وَالقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ المَاشِي، وَالمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي، وَمَنْ يُشْرِفْ لَهَا تَسْتَشْرِفْهُ، وَمَنْ وَجَدَ مَلْجَأً أَوْ مَعَاذًا فَلْيَعُذْ بِهِ».
وفي صحيح مسلم (2867) عن زيد بن ثابت رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «تَعَوَّذُوا بِاللهِ مِنَ الْفِتَنِ، مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ» قَالُوا: نَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ».
* التضرّع والدُّعاء بالسَّلامة، والعافية في الدِّين:
- في السُّنن من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: لم يكن رسولُ الله ﷺ يَدَعُ هؤلاء الدعواتِ حينَ يُمْسِي وحينَ يُصبحُ: «اللَّهُمَّ إني أسالُكَ العافيَةَ في الدُنيا والآخرة، اللَّهُمَّ إني أسالُكَ العفوَ والعافيَةَ في ديني ودنياي وأهلي ومالي، اللَّهُمَّ استُر عورَتي -وفي لفظ: عوراتي- وآمِن رَوْعَاتي، اللَّهُمَّ احفظني مِنْ بين يدىَّ ومن خلفي، وعن يميني وعن شِمالي، ومِن فوقي، وأعوذُ بعظمتِكَ أن أُغْتَال مِن تحتي»([18]).
- وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قلما كان رسول الله ﷺ يقوم من مجلس حتى يدعو بهؤلاء الدعوات لأصحابه: «اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا يَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ، وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ، وَمِنَ اليَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مُصِيبَاتِ الدُّنْيَا، وَمَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُوَّتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا، وَاجْعَلْهُ الوَارِثَ مِنَّا، وَاجْعَلْ ثَأْرَنَا عَلَى مَنْ ظَلَمَنَا، وَانْصُرْنَا عَلَى مَنْ عَادَانَا، وَلَا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا، وَلَا تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِنَا، وَلَا تُسَلِّطْ عَلَيْنَا مَنْ لَا يَرْحَمُنَا»([19]).
- وفي صحيح مسلم (2654) عن عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رضي الله عنهما أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ، كَقَلْبٍ وَاحِدٍ، يُصَرِّفُهُ حَيْثُ يَشَاءُ» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «اللهُمَّ مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ».
وفي المسند عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: «يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ، ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ»([20]).
- وعن النَّوَّاس بْن سَمْعَانَ الْكِلَابِيّ رضي الله عنه قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «مَا مِنْ قَلْبٍ إِلَّا وَهُوَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، إِنْ شَاءَ أَنْ يُقِيمَهُ أَقَامَهُ، وَإِنْ شَاءَ أَنْ يُزِيغَهُ أَزَاغَهُ» وَكَانَ يَقُولُ: «يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قُلُوبَنَا عَلَى دِينِكَ، وَالْمِيزَانُ بِيَدِ الرَّحْمَنِ يَخْفِضُهُ وَيَرْفَعُهُ»([21]).
- وفي صحيح مسلم (2720) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: كَانَ رَسُولَ الله ﷺ يَدْعُو: «اللهُمَّ أَصْلِحْ لِي دِينِي الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِي، وَأَصْلِحْ لِي دُنْيَايَ الَّتِي فِيهَا مَعَاشِي، وَأَصْلِحْ لِي آخِرَتِي الَّتِي فِيهَا مَعَادِي، وَاجْعَلِ الحَيَاةَ زِيَادَةً لِي فِي كُلِّ خَيْرٍ، وَاجْعَلِ المَوْتَ رَاحَةً لِي مِنْ كُلِّ شَرٍّ».
* سُؤال حُسْن الخاتمة:
ولهذا أدلةٌ كثيرة، منها قوله تعالى: { رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ } [يوسف:101].
وقوله: { رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ } [آل عمران:193].
وقوله: { وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ } [الأعراف:126].
- وفي الصحيحين من طريق ابْن أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنهما، قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنِّي عَلَى الحَوْضِ حَتَّى أَنْظُرَ مَنْ يَرِدُ عَلَيَّ مِنْكُمْ، وَسَيُؤْخَذُ نَاسٌ دُونِي، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ مِنِّي وَمِنْ أُمَّتِي، فَيُقَالُ: هَلْ شَعَرْتَ مَا عَمِلُوا بَعْدَكَ، وَالله مَا بَرِحُوا يَرْجِعُونَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ» فَكَانَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ أَنْ نَرْجِعَ عَلَى أَعْقَابِنَا، أَوْ نُفْتَنَ عَنْ دِينِنَا»([22]).